نشر في: 14 كانون1/ديسمبر 2016
الزيارات:    
| طباعة |

تأملات في الاستراتيجية الفلسطينية

 

يواجه الشعب الفلسطيني في مستهل عامه الجديد وضعًا سياسيًا قاتمًا في ظل قيادته الضعيفة، وتجزُّؤه الجغرافي والإداري، وفقدانه الركيزة السياسية، والنزعة الفردية التي أخذت تطغى على مجتمعه المدني. وما انفك مشروع بناء الدولة الذي حمل في طياته وعودًا كثيرة في عقدي الثمانينات والتسعينات يفقد مريديه باطراد، حيث كشف استطلاعٌ حديث أن قرابة ثلثي الفلسطينيين ما عادوا يعتقدون أنه عملي رغم أن 137 بلدًا بات يعترف الآن بفلسطين. ومع ذلك، لم يظهر حتى الآن سوى القليل مما يمكن اعتباره هدفًا سياسيًا بديلًا يحظى بتأييد شعبي.

إن الوهن السياسي الحالي الذي يعانيه الشعب الفلسطيني يرجع في معظمه إلى غياب التفكير الاستراتيجي رغم بعض الجهود المنظَّمة في هذا الصدد من قبيل ما تبذله مجموعة فلسطين للتفكير الاستراتيجي والمركز الفلسطيني لأبحاث السياسات والدراسات الاستراتيجية - مسارات. غير أنه من الأهمية بمكان أن يضع الفلسطينيون استراتيجيةً سواء بمشاركة الفصائل السياسية داخل منظمة التحرير الفلسطينية وخارجها أم دون مشاركتها، لأنه في غياب الاستراتيجية 1الواضحة والمتفق عليها سوف تخاطر بعض الأدوات والتكتيكا المتبناة باستنزاف الطاقات وإثبات عدم فاعليتها أو تحقيق نتائج غير مرجوة .

النهوض بالتحليل الاستراتيجي

يعتمد التفكير الاستراتيجي السليم على إجراء تقييم دقيق للبيئة السياسية الحالية وما تحتويه من فرص وتحديات داخلية وخارجية. ومن الأهمية بمكان بالنسبة للفلسطينيين أن يُجروا تقييمًا دقيقًا لاستراتيجيات الدولة الإسرائيلية لأنها الطرف الأقوى الذي يقرر نطاق الصراع ومجرياته إلى حد بعيد. ويمكن القول إن من الأسباب الرئيسية لاعتبار أوسلو كارثةً سياسية أن القادة الفلسطينيين، بسبب افتقارهم إلى الكفاءة أو يأسهم لإيجاد حل، صدَّقوا رغبة إسرائيل المعلنة في إقامة دولة فلسطينية وعملوا على تحقيق ذاك الهدف السياسي. وكان سوء التقدير هذا وما تبعه من تنازلات كارثيًا على قدرة الفلسطينيين التفاوضية، ووحدتهم، وقدرتهم على صياغة استراتيجية وطنية متماسكة.

لقد آن لنا أن ندركَ أن الفلسطينيين يعيشون الآن في حل اللادولة الذي تأمل إسرائيل أن تحتويهم فيه لحين أن تتمكن من تحقيق رؤيتها المتمثلة في منح اليهود حقوقًا أكثر ومختلفة عن حقوق غير اليهود، مع الحفاظ على أغلبية يهودية في الأراضي الواقعة تحت سيطرتها المباشرة. ولقد ظلت استراتيجية إسرائيل في تحقيق رؤيتها ثابتة إلى حدٍ كبير منذ احتلالها الأراضي الفلسطينية في العام 1967، وهي احتواء الفلسطينيين من خلال رفض ترتيبات الوضع النهائي، سواء كانت سيادةً فلسطينية في إطار دولتين أو حقوقًا متساويةً في دولةٍ واحدة ثنائية القومية. وقد قلت سابقًا إن الاتحاد الجمركي الفعلي الذي تفرضه إسرائيل على الفلسطينيين هو دليلٌ ملموس على نية إسرائيل لاستدامة حل اللادولة. وينبغي للتحركات والمقاومة الفلسطينية وأي مفاوضات في المستقبل أن تعي هذا الواقع وتهتدي به.

وبالنظر إلى أن استراتيجيةَ إسرائيل مبنيةٌ على الوفاء بحقوق الإسرائيليين والمستوطنين اليهود والانتقاص من حقوق المواطنين الفلسطينيين في إسرائيل والفلسطينيين في الأراضي المحتلة، فإن استراتيجيةً فلسطينيةً قائمةً على الحقوق ستكون فعالة في فضح الخطط الإسرائيلية ومجابهتها. وينبغي أن يتحول الهدف السياسي الفلسطيني في هذه الاستراتيجية من إقامة الدولة، وهو مشروعٌ غير متحقق يستر استراتيجيةَ إسرائيل على أرض الواقع، إلى النضال من أجل حقوق الإنسان السياسية والمدنية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية. ويمكن إدراك الحقوق الفلسطينية من خلال عدد من الترتيبات الوطنية: دولةٌ واحدة أو دولتان أو كونفدرالية.

وبالاضافة الى مواجهة المشروع القومي الإسرائيلي في جوهره، تقدم الاستراتيجية الفلسطينية القائمة على الحقوق مزايا عديدة مختلفة، وتوفر مجموعة من المبادئ التوجيهية للنضال، وتضيِّق الخلافات بين الفلسطينيين في الأرض المحتلة وداخل إسرائيل، وتتماشى والخطاب الدولي بشأن الحقوق ومناهضة العنصرية الذي يصعب تجاهله، ممّا يساعد في إقامة تحالفات وطيدة دعمًا للنضال.

إن الاستراتيجية الناجحة لا يجب أن تقتصر على تقييم دوافع إسرائيل تقييمًا دقيقًا وتحديد مواطن الضعف في ترسانتها، بل يجب أيضًا أن تحشد توافق الآراء في المجتمع الفلسطيني. وهذا تحدٍ صعب لأسباب عديدة منها تشرذم الشعب الفلسطيني، والتعلق بفكرة الدولة القومية الفلسطينية رغم عدم تحقق حل الدولتين. لذا من الأهمية بمكان أن نسعى إلى التوفيق بين الاستراتيجية السليمة سياسيًا وبين الشعور الوطني الفلسطيني إلى أقصى حد ممكن. فيتعين مثلًا على الأصوات المدافعة عن النهج القائم على الحقوق أن تؤكد أن التخلي عن التركيز على إقامة الدولة لا يعني التخلي عن الارتباط بالأرض، وأن تتحرى السبل التي يمكن من خلالها تجاوز الخلط الضيق بين الأمة والدولة. 2

اعتماد تكتيكات لتحقيق النتائج

الطريقة الأسرع والأسلم والأنجع لتعزيز الاستراتيجية الوطنية تكون من خلال نظام سياسي أكثر تمثيلاً وفاعليةً. ولكن هذه مهمة صعبة في ظل غياب الأفقالتي تبشر بنشوء قيادة فاعلة الأرض الفلسطينية المحتلة أو للشعب الفلسطيني عمومًا. وحتى ذلك الحين، يستطيع الفلسطينيون أن يستفيدوا من بعض الأدوات التي طورتها المؤسسات والشبكات القائمة في المجتمع المدني الفلسطيني والعالمي لتعزيز التفكير والعمل الاستراتيجي على أمل أن الخطوات في الاتجاه الصحيح سوف تُسرِّع أو تستكمل تكوين قيادة جديدة.

لا تزال حركةُ مقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات منها وفرض العقوبات عليها الأداةَ المدنية الأقدر على تأطير النضال الفلسطيني في لغة حقوقية، وتحدي القمع الإسرائيلي القائم على أساس الفصل العنصري. فحركة المقاطعة معروفة بالتكاليف التي تكبدها الاحتلال بصفة منتظمة، ولكن أهميتها الكبرى تكمن في فلسفتها ورؤيتها. فهي تطرح خطابًا يمكن للكثير من الفلسطينيين أن ينتسبوا إليه، ويمكن للعالم أن يتعاطف معه، وهو خطاب لا يعلق في متاهات النقاش حول الحلول والمراحل النهائية. وهو يتصدى أيضًا لصميم الرؤية الإسرائيلية للمنطقة، فنتنياهو لم يكن يمثِّل عندما وصف حركة المقاطعة بأنها "تهديدٌ استراتيجي" للمشروع القومي الإسرائيلي نظرًا لصبغته العنصرية والاستعمارية الاستيطانية. وبالرغم من أن حملة المقاطعة تواجه قيودًا داخل الأرض الفلسطينية المحتلة بسبب اعتماد الأرض المحتلة هيكليًا على الاقتصاد الإسرائيلي، فإن من العلامات المشجعة انتشار لغة الحقوق. فتبني خطاب المقاطعة وإطلاق حملات المقاطعة في الجامعات والمجالس المحلية ومجالس الأعمال وغيرها من المؤسسات هو خطوةٌ ملموسة على طريق مساعدة الفلسطينيين في مقاومة الفصل العنصري، والاقتراب من إحراز حقوق الإنسان.

بوسع الفلسطينيين أيضًا أن يستفيدوا من الأطر القانونية القائمة التي تُعنى مباشرةً بحقوق الإنسان وسيادة القانون. تشمل الأدوات القانونية المتاحة بالفعل للشعب الفلسطيني الرأي الاستشاري الصادر من محكمة العدل الدولية في عام 2004 بشأن الجدار الفاصل، والذي يعزز توافق الآراء الدولي بشأن عدم شرعية المستوطنات بموجب القانون الدولي. ويمكن استخدام هذه الأدوات للإشارة للدول الثالثة بأن مشاركتها مع إسرائيل تهدد سلطتها القانونية، ولمطالبة تلك الدول باحترام القانون الدولي بتعليق تجارتها أو معاهداتها مع إسرائيل طالما ظلت إسرائيل تحافظ على نظام الفصل العنصري. وبوسع عضوية فلسطين في المحكمة الجنائية الدولية أن توفر أدوات كذلك للتصدي للانتهاكات الإسرائيلية لحقوق الإنسان، ولكن من الأهمية بمكان أن نكون واقعيين وأن نواصلَ حشد الدعم الدولي.

وفي الأرض الفلسطينية المحتلة، تساعد فصول المواجهة مع المحتل في كسر احتكار السلطة الفلسطينية للسياسة، وقد تساعد في تسريع وشرعنة البحث عن استراتيجيات بديلة. وتعيد موجات الغضب المتكررة تعريفَ علاقة الفلسطينيين بدولة إسرائيل باعتبارها علاقةً صراعية وليست علاقة "تفاهمية"، وغالبًا ما تدعو علنا لإلغاء اتفاقات أوسلو. ورغم أن قدرة هذه الموجات على تحقيق الأهداف السياسية محدودة جدًا بسبب ضعف قدراتها التنظيمية ورد الفعل العنيف من جانب السلطة الفلسطينية وإسرائيل، كما أُشير في حلقة نقاش نظمتها الشبكة مؤخرًا، فإنها تطرح خطابًا راديكاليًا وتعمل على توحيد رسالة الفلسطينيين، ولو رمزيًا فقط.

الأهم من ذلك هو أن الفلسطينيين المواطنين في إسرائيل، الذين همَّشتهم منظمة التحرير الفلسطينية والسلطة الفلسطينية أثناء السعي وراء إقامة الدولة، سوف يكونون في صميم نهجٍ قائم على الحقوق. وهذا يدعم صراحةً نضالَهم من أجل العدالة والمساواة في الحقوق داخل إسرائيل. وعلاوةً على ذلك، فإن اتصالهم الوثيق ومعرفتهم بالدولة الإسرائيلية والصراعات المتراكمة داخلها يمثل مصدرًا رئيسيًا للفهم الاستراتيجي ينهل منه الفلسطينيون الآخرون. ويشير البعض إلى أن هذا مصدرٌ من مصادر الفاعلية الفلسطينية غيرُ مستغلٍ كما ينبغي، بل ويزيدون أنه صار ينبغي للشعب الفلسطيني، بعد تشكيل القائمة المشتركة، أن يتطلع إلى الأحزاب السياسية الفلسطينية في إسرائيل بحثًا عن القيادة. فمن المستحسن لو أن الفلسطينيين في الأرض المحتلة، وفي مخيمات اللاجئين، والشتات بحثوا بجدية أكبر في الروابط التي يمكن تشكيلها مع نظرائهم في "الداخل" وكيَّفوا بعض تلك التجارب والتكتيكات لتتناسب وسياقاتهم المحلية، حيثما كان ذلك ممكنًا ومناسبًا.

وفي الوقت نفسه، وكما ذُكر أعلاه، يفرض غياب الاستراتيجية مخاطرَ من حيث عدم معرفة أي الأدوات والتكتيكات ينبغي تجنبها. فعلى الرغم من أن الاعتراف بفلسطين كدولة فتحَ الباب لانضمامها إلى المحكمة الجنائية الدولية، فإن حشد الدعم لإحراز العضوية كدولةٍ مراقبة في الأمم المتحدة أو اعتراف الدول الثالثة لفظيًا بفلسطين كدولة ينطوي على مخاطر جسيمة. فهو يُخفي حقيقةَ استراتيجية إسرائيل التي تهدف إلى الحيلولة دون قيام هذه الدولة. وهو يصادق على نموذج أوسلو البائد، ويُضعِف الحجة القائلة بأن إسرائيل هي المسؤولة عن حقوق السكان الذين تحتلهم وتضطهدهم. ومن التكتيكات الأخرى المنطوية على مخاطر التعبئةُ لانتخاب المجلس الوطني الفلسطيني، وهو هيئة ذات فاعلية محدودة. ومن غير المرغوب أيضًا إجراء انتخابات ديمقراطية ترسِّخُ حكم أحزابٍ غير ديمقراطية أو تنظيم انتخابات ديمقراطية في ظل غياب استراتيجية وطنية.

وبالمثل، أثبت نهجُ بناء المؤسسات الذي اعتُمد في السنوات الأخيرة، والذي يتم بموجبه ضخُّ المساعدات الدولية في مشروع بناء الدولة المزعوم، بأنه هشٌ وغير واقعي. وعوضًا عنه، يجب أن ندرك أن استراتيجية الاحتواء الإسرائيلية الحالية لا تحول دون قيام دولةٍ فلسطينية وحسب، بل تحول أيضًا دون قيام اقتصاد فلسطيني قابل للحياة. وينبغي بذلُ مجهود أكبر ازاء حل اللادولة وسُبله في إبقاء الاقتصاد الفلسطيني تابعًا، وغيرَ منتجٍ، ومتخلفًا هيكليًا. ومن الأهمية الحاسمة بمكان، في موازاة ذلك، أن يتم توفير فرص عمل للفلسطينيين ليس على سبيل التنمية تحت ذرائع كاذبة ولكن دعمًا لصمود الفلسطينيين ولإبقاء في فلسطين.

وباختصار، لا تكمن المسألة فيما إذا كانت الأدوات والتكتيكات جيدة أم سيئة من حيث المبدأ، بل فيما إذا كانت تتصدى للواقع السياسي القائم مباشرةً أم تُبهمه، وما إذا كانت تنهض باستراتيجيةٍ محددة تهدف إلى تصويب هذا الواقع أم تعوقها. وما هذه المناقشة الموجزة إلا مساهمة في عملية صياغة هذه الاستراتيجية التي بوسعها أن توحد الشعب الفلسطيني خلف نضالٍ يتحدى رؤية إسرائيل لنظام الفصل العنصري.بقلم امل 

بقلم امل احمد 

المصدر : الشبكة : شبكة السياسات الفلسطينية 



يسمح بنقل المادة أو جزء منها بشرط ذكر المصدر

أضف تعليق