نشر في: 03 كانون1/ديسمبر 2016
الزيارات:    
| طباعة |

غسان (كمان وكمان)…

 

ليس صحيحا أن الكاتب وحده يعري أعماقه في مقالاته، فالقارئ يفعل أيضاً ذلك في اختزال بارع عبر سطور رسائله وايميلاته). ونتعارف معاً على نحو ما، فوق ذلك الجسر الأبجدي المضيء.
الأديبة الشابة عفيفة حلبي استطاعت الحصول لي على محضر أحد لقاءاتي مع صديقتي منذ ألف عام المطربة الكبيرة فيروز بمعونة عمرو ـ سلطنة عمان، فشكراً لهما. في أرشيفي الكثير من النقص مما تاه عني في سنوات تشردي أو حريق أرشيفي في الحرب. وأتمنى أن تعلمني عفيفة والأخ عمرو بما قد تطاله أيديهما من مجلات وصحف قديمة. وقد لفتتني حقاً ملاحظة عمرو حول إحدى رواياتي عن الذي استغل تشابه الأسماء طلباً للكسب لكنه قتل بالنيابة عن (سَمِيّه) وأرصد متابعة عمرو لي ولأعمالي الأدبية من زمان فشكراً.

أفانين كبة وذكريات عراقية

رسالة أفانين كبة العراقية/الكندية في تعليقها على «حذار ممن لا يحب الموسيقى» تتحدث بجمالية عن ذكرياتها العراقية ووالدها حيث تكتب: لقد وعيت على الحياة وأنا أستمع إلى الموسيقى الكلاسيكية من خلال مجموعة الأسطوانات التي حملها والدي المرحوم إلى بغداد بعد إنهاء دراسته في بريطانيا في الأربعينات» وذلك أمر جميل، أعني حين ننفتح على جماليات الشعوب الأخرى. ولا أتفق مع وصف «عبد المنعم ـ فرنسا» إن الذين يستمعون إلى الموسيقى الكلاسيكية نجهدهم «مستلقين على ضفاف مسبح الميريديان» ولا أحد يبث الموسيقى الكلاسيكية في المسابح كلها!) ثم أن حب الموسيقى الكلاسيكية لا ينفي حب القدود الحلبية لصباح فخري وأنغام «الربيع» لفريد الأطرش التي يحبها هو. وما من حب يلغي الآخر. والرهافة الروحية ليست وقفاً على الأثرياء… وإلى جانب سابحي (الميريديان) الذين قد يحبون أو لا الموسيقى الكلاسيكية ثمة العديد من الطلبة المفلسين في لندن مثلاً الذين كانوا يذهبون إلى (ألبرت هول) للاستماع إلى الكلاسيكي تشايكوفسكي وسواه بمقابل شبه مجاني في الصفوف الأخيرة بالطابق الأعلى لصق السقف المحدب وقوفاً… وكنت وأخي منهم ذات يوم حين كنا طلاباً للعلم في لندن، ولم يمنعني ذلك من حب «العتابا والميجانا»… و«يا ليل يا عين» و«أبو الزلف» فالموسيقى ليست (طبقية) ولا (ارستقراطية) أو (بروليتارية) والمرء قد يتذوقها أو لا، دونما إطلاق الأحكام على الآخر إذا أحبها أو رفضها.. الموسيقى تستعصي على المحاكمة لأن حبها مزاج عاطفي وروحي أولاً وليس (ايديولوجياً).. وإذا كان هتلر عاشقاً لموسيقى فاغنر فذلك ليس ذنب فاغنر.
في المقابل اعترف أنني أفضل الاستماع إلى معزوفة بيتهوفن الرقيقة «إلى إليز» بدلاً من أغنية «الطشت قلي يا حلوة ياللي قومي استحمي» أو «العتبة قزاز والسلم نايلون». لكن ذلك لا ينتقص من عروبتي.

«بتلوموني ليه…»

ولأن الشيء بالشيء يذكر، فقد تذكرت أخاً قارئاً كتب لي مرة مفسراً (من عنده) سبب عدم حضور الشاعر محمد الماغوط وليمة زوجي للغداء مع صهري (المفضل) د. عادل زعبوب وزوجته ابنة عمي سلمى سليم السمان ود. علي القيم، قائلاً ان الشاعر الماغوط كان يكره مطاعم النجوم الخمسة الباريسية. لكن الماغوط كان ينزل ضيفاً في فندق «رويال مونصو» الفخم جداً لصاحبه يومها د. عثمان العائدي. أما دعوة زوجي فكانت لمطعم فرنسي عادي!! وربما كان علينا دوماً التحري عن باطن الأمور قبل إطلاق الأحكام. فسبب غياب الماغوط لم يكن الاعتراض على المكان بل المرض الذي اشتد عليه في أيامه الأخيرة ولم أكن على علم بذلك حين دعوته.

غادة الشاويش والشهيد غسان

وأختم بوقفة مع الفلسطينية غادة الشاويش التي تكتب لي على نحو مؤثر عن غسان كنفاني مطالبة ببعض الأجوبة حوله، وسألبي رغبتها في الحديث عن جانب من غسان.. وهو لامبالاته بالموت. غسان كنفاني كان شهيدا حقيقياً دونما التباس وذلك في زمن الخلط بين الشهيد و«الضحية» أو «المغرر به». وكان يعرف أن العدو الإسرائيلي يريد (إزاحته) لخطره على مشروعهم الجهنمي ولم ينجحوا حتى في إخافته…
لم يحمل يوماً السلاح.. ولم يحط نفسه بالحراس.. وكنا نخشى عليه من لامبالاته. ومرة قررنا عاطف السمرا وأنا ـ وكان الزميل عاطف صديق سهراتنا وتشردنا يخشى عليه مثلي من لامبالاته ورفضه للاحتياطات الأمنية فغسان كان يعود آخر الليل إلى بيته في الحازمية (مار تقلا)، واتفقنا عاطف وأنا أن نكمن في الطريق الترابية التي تقود إلى بيته لنريه كم من السهل اغتياله. وبعد سهرة معه، سبقناه، عاطف وأنا، وكمنا له في الشارع الضيق الذي يقود إلى بيته وهبط غسان من سيارته للاستطلاع لمَ دربه مسدودة! وقلنا له بعدما خرجنا من الظلام إنه يمكن لأي عميل إسرائيلي اغتياله… ويكفي أن يفعل ما فعلناه، أي يغلق دربه الترابية الخاوية من السيارات ليلاً، ولم يبال غسان!!

غسان الشجاع حقاً!

مرة أخرى كان كميننا في موقف سيارته أمام بيته آخر الليل بعدما سهرنا معاً. وايضاً ومرة ثانية لم يخف من سهولة الاعتداء على حياته… وهو للأسف الشديد ما فعله العدو حين فخخ سيارته أمام بيته ولم يجد صعوبة في تفجيرها. وخسرناه. وربحته القضية كأحد أنبل الشهداء الفلسطينيين وأنقاهم…
هل تريدين المزيد من الحكايا يا عزيزتي غادة الشاويش؟ المجال لا يتسع الآن وسأفعل فيما بعد!
الأستاذة لطيفة حليم ـ المغرب صديقة أبجديتي من زمان يسعدني استمرارها في المحبة وفي دعمها. لاحظت أن وقفتي اليوم كانت بمعظمها مع الأخوات القارئات، ولكنني لست (شوفينية) وفي الأسبوع المقبل سأقوم بالتعويض عن تقصير غير مقصود.



يسمح بنقل المادة أو جزء منها بشرط ذكر المصدر

أضف تعليق