نشر في: 16 تشرين2/نوفمبر 2016
الزيارات:    
| طباعة |

الأمريكيون اختاروا «تجفيف المستننقع» بدلاً من «الأمل والتغيير»

 

الفوز المفاجئ للمرشح الجمهوري في الانتخابات الرئاسية الامريكية دونالد ترامب قلب التوقعات وأنعش الحديث عن السيناريو المزعج الذى ينتظر الولايات المتحدة والعالم ناهيك عن المخاوف من الغرق في محيط من الفوضى والانقسام .
والاستنتاج البسيط لهذا الانتصار غير المستحب هو ان ترامب لن يكون رئيسا فعالا لأنه لا يتمتع بفهم حقيقي لوظيفة الرئيس، والاحتمالات تشير الى ان الضرر الذى سيحدثه ترامب سيكون محدودا بسبب الانظمة الدستورية والادارية لحكومة الولايات المتحدة وحدود صلاحيات السلطة التنفيذية، وقد يمنح لقب القائد العام للقوات المسلحة فرصة جديدة لترامب لابراز قوته وفتوته الا ان الحروب والمغامرات العسكرية والتحركات الهادفة لاظهار العضلات لا تقرر فجاة في البيت الابيض دون المرور عبر الكونغرس المفوض الوحيد لتمويل هذه العمليات، ولا خوف على الامن الوظيفي للملايين من الامريكيين من نهم ترامب لفصل العاملين مثلما ظهر في البرنامج التلفزيوني «المتدرب» فجهاز الخدمة المدنية في أمريكا ضخم وبيرقراطي جدا لدرجة من الصعب تغييرها. 
سيكتشف أنصار ترامب بان رئيسهم غير قادر على انجاز وعوده المستحيلة وان أحاديثه بان قيادة الولايات المتحدة تختلف عن رئاسة شركة خاصة اما اولئك الذين اقتنعوا بالفعل بان ترامب سينجز وعوده فعليهم الاعتراف عاجلا ام اجلا بان هذه الوعود لا تتجاوز الهرطقة.
لم يتعامل رجال الإعلام في الولايات المتحدة بجدية مع ترامب قبل أشهر قليلة ولكنهم قاموا بتصوير سيناريو لترامب أمريكا على سبيل الفكاهة، ولأن ترامب أصبح، في الواقع، رئيسا للولايات المتحدة فإن التعامل مع هذا السيناريو يتطلب الكثير من الجدية، والفرضية الأولى تقول ان الرئيس ترامب سينشغل في اشغال حرب طائشة مع الكونغرس حيث يشعر رجالات مبنى « الكابيتول هيل « بالذعر من رئاسة ترامب وان العلاقة لن تتجاوز توجيه الاتهامات. 
ترامب اعتاد على تخويف منافسيه وتوجيه الاتهامات البذئية ضدهم والتعامل مع الطرف الاخر بلغة ان تتم الاشياء وفقا لطريقته او التعرض لاهانات وهذا الأمر بالطبع لا يتوافق مع تقاليد النقاش في الكونغرس ومن الصعب تسجيل جدل مرتقب بين ترامب ورئيس الاغلبية ميتش ماكونيل او رئيس مجلس النواب الامريكي ريان .
يعتقد ترامب أنه يعرف الكثير عن فساد واشنطن ودهاليز السياسة في العاصمة، وقد روج لانصاره بانه من خارج هذا البيت الفاسد وبانه سينظف المكان ولكن الواقع يقول بان مهمة ترامب مستحيلة فالتاريخ يعلمنا بان الرئيس الأسبق جيمي كارتر القادم من مزارع البندق قد فشل في المهمة، وعلى الأرجح، سيفشل ترامب لأنه بحاجة الى جسور كثيرة داخل المدينة من بينها علاقات طيبة مع صناع السياسة بما فيهم قادة الحزب الجمهوري ولكن هذه الجسور غير موجودة في العالم الافتراضي لترامب .

الحرب الاهلية

بعد ساعات من إعلان نتائج انتخابات الرئاسة الأمريكية ، ظهرت اشارات واضحة على انطلاق الرصاصات الاولى في «الحرب الأهلية» داخل الحزب الجمهوري فالنجاح المفاجئ لترامب غير المحسوب على «المؤسسة الحزبية « سيدفع في اتجاه» ثورة «مناقضة تماما للبرنامج الاصلاحي الذى طرحه رئيس مجلس النواب بول ريان، ووفقا للمعلق المحافظ المعروف كروثامر فقد ساهم ترامب في نشأة حركة شعبية ستنقل الحزب الجمهوري من المحافظة الى الشعبوية مشيرا الى ان الحزب لم يعد كما كان في السابق في عهد الرئيس رونالد ريغان . 
وقد توقع ان يصبح ترامب الرئيس الفعلي للحزب الجمهوري في حال الفوز او الخساره بعد الانتخابات مع الاشارة الى ان الاحتمال الوحيد لذبول الحركة الثورية داخل الحزب سيكون اعلان ترامب الانسحاب من الحياة السياسية حتى يظهر قائد اخر اكثر شبابا .
وقال كروثامر ان ترامب سيصبح الرئيس الفعلي للحزب الجمهوري رغم خسارته في الانتخابات الرئاسية، وقال ان ترامب قد ينسحب تماما من الحياة السياسة داخل الحزب وقد تذبل حركته الثورية حتى يظهر قائد اخر اكثر شبابا وحيوية ولكنه يعتقد بان ترامب سيبقى في «اللعبة» .
والخلافات ستشتعل داخل الحزب الجمهوري وفقا لاستنتاجات كروثامر للتعبير عن التناقض بين رؤية ريان المسكونة بهاجس الاصلاح والاستحقاق والحد من العجز ورؤية ترامب التى تقوم على السياسات الحمائية في التجارة والهجرة .

تجفيف المستنقع

بغض النظر عن الحروب التى سيشعلها ترامب «الرئيس الا ان فوزه بالنسبة الى الأمريكيين كان اختيارا لشعار «تجفيف المستنقع» بدلا من شعارات «الامل والتغيير» التى رددها انصار كلينتون واوباما، هذا الاختيارسيؤدى الى اكبر اضطراب في التاريخ السياسي الأمريكي لأنه كان تعبير عن موجة من القلق الشعبي والغضب من المؤسسات القائمة بما في ذلك البنية الحزبية، وقد اتكئت حملة ترامب على وعود غامضة ولكنها جرئية ونادرة في الهجوم ضد البناء السياسي القائم.
وقد نجح ترامب في يوم الانتخابات لأنه حقق نجاحات غير متوقعة في الولايات الرئيسية مع اصراربالقول أمام انصاره بان النظام السياسي الذى تمثله كلينتون يميل الى النخب ولذلك هناك محالات لتزوير الانتخابات ومؤمرات من وسائل الإعلام، وصدق الناس أن المرشح الجمهوري هو الشخص الوحيد الذى سينظف واشنطن.

وعود بدون أفكار سياسية

وقد رسم ترامب طوال الانتخابات التمهيدية صورة لامريكا مسحوقة تحت ضغط المشاكل الاقتصادية الساخنة رغم انخفاظ معدل البطالة في عهد اوباما بشكل مطرد من 10 في المئة في اكتوبر/تشرين الأول 2009 الى 4.9 في المئة بالشهر الماضي ولكن متوسط دخل الاسرة لم يتغير منذ التسعينات وكان واحدا من المحاور الرئيسية لترامب في دعاياته التى ركزت على اعادة الوظائف الى المواطنيين الامريكيين بدلا من هجرتها الى الصين والمكسيك اضافة الى وعوده باعادة التفاوض في اتفاقيات التجارة الدولية لكي لا يتم سحق العمال مرة ثانية كما فعل بيل كلينتون في السابق .
خطة ترامب تتلخص بانه سيتفاوض على بنود الاتفاقيات الدولية وإذا لم ينجح فانه سيلغيها بجرة قلم، وبعد ذلك يبدأ في صفقة جديدة، وبالطبع هذه وعود لا تقوم على افكار سياسية، والجميع في حيرة بما في ذلك انصار ترامب حول الاجندة التشريعية التى ستعبر عن هذه الطموحات 



يسمح بنقل المادة أو جزء منها بشرط ذكر المصدر

أضف تعليق