نشر في: 16 آب/أغسطس 2014
الزيارات:    
| طباعة |

برتراندرسل بين العلم والدين

برتراندرسل بين العلم والدين

     العلم والدين يمثلان اهم ركائز الحياة الاجتماعية في اي مجتمع , فالدين تجذر في النفس منذ نشوء الجماعة البشرية , وبدأت بتشكيل المنظومة الفكرية لذاتها . اما العلم فقد لايكون كذلك , ويعتقد العديد من الباحثين اننمواته الأولى بدأت من حيث الأهمية , في القرن السادس عشر , وان كان هذا مثار جدل  . اما الصراع بينهما فهو صراع ازلي , لكنه كان ينتهي في كل معركة لصالح العلم .

 

يقول "راسل" إن العلم و الدين هما وجهان للحياة الاجتماعية،والدين كان له أهمية كبيرة ولفترة طويلة أكثر من قدرتنا على العودة إليه في تاريخ النفس الإنسانية،بينما العلم،وبعد وجود متقطع ومتدرج عند اليونانوالعرب،أخذ أهميته بشكل مفاجئ في القرن السادس عشر،وقد استطاع منذ هذا القرن تشكيل وبشكل دائم أفكارنا و مؤسساتنا التي نعيش بينها اليوم.

    بين العلم والدين امتد صراع طويل،وقد خرج منه العلم وحتى السنوات الأخيرة منتصرا. 

ولكن بعد ظهور اديان جديدة ،في روسيا و ألمانيا مزودة بوسائل جديدة (قدمها تطور العلم) للتبشير،وضعت نتيجة الصراع قيد التدقيق كما كان الوضع في بداية العصر العلمي، وجعل من الممكن إعادة اختبار ميدان الصراع و تاريخية الحرب التي قام بها الدين التقليدي ضد المعرفة العلمية .

العلم يهدف للكشف من خلال وسائل الملاحظة والبرهان المرتكزة على أحداث خاصة في العالم، ثم بواسطة القوانين يربط الأحداث الواحد بالآخر،وبعدذلك (إذا استطاع) يتنبأ بالأحداث المستقبلية.هذا الجانب النظري للعلم مرتبط بالتقنيات العلمية التي تستخدمها المعرفة العلمية من أجل إنتاج ظروف لراحة الإنسان والتي كانت غير قابلة للتحقق من قبل،أو أنها كانت مكلفة جدا في عصور ما قبل ـ علمية. هذا الجانب الأخير يعطي أهمية كبيرة للعلم حتى في عيون الذين لا يؤمنون به. 

ولكن فيما يتعلق بالكتاب المقدس أصبح الصراع أكثر جدية عندما وضع العلم هذا الكتاب في حالة من الشك .بشكل عام،  فالاختلافات بين العلم والدين كانت شكلا أولا للصراع،ولكنها انتقلت إلى ميادين متعددة تعتبر جوهرا بالنسبة للعقيدة المسيحية. في عصرنا،هناك الكثير من المؤمنين المسيحيين يرون أن العقيدة كما كانت في العصور الوسطى لم تعد نافعة بل تشكل عقبة أمام الحياة الدينية. ويرى أنه إذا أردنا فهم المقاومة التي تلقاها العلم ، علينا التغلغل بخيالنا داخل نظام الأفكار التي جعلت من هذه المقاومة منطقي

 

فلنتخيل وكما يقول رسل ان انسانا طلب من الكاهن  اجابة عن السؤال , لماذا يجب على الانسان الا يرتكب جرما. تكون الإجابة:"لأنك ستعدم" تظهر أنها كافية وغير مرضية،في نفس الوقتمثيررة للاسئلة ،لأن الإعدام بحاجة إلى مبرر،ولأن الطرق البوليسية ليست أكيدة بشكل كبير أو لها تأثير على المجرمين الهاربين من العدالة.ولكن هناك إجابة ،قبل قدومالعلم،كانت كافية بالنسبة للجميع: القتل هو جريمة ممنوعة من خلال "الوصايا العشر" التي أوحى الله بها على موسى في جبل سيناء. فالمجرم الذي يهرب من العدالة الأرضية لن يهرب من الغضب الإلهي. بالمقابل،هذهالحجة ترتكز على سلطة الكتاب المقدس،والذي يجب في هذه الحالة أن نأخذه بكليته. ولكن إذا كان الكتاب المقدس قال بأن الأرض لا تدور،فإنه علينا أن نصدقه أيضا،لأن إذا كنا لا نريد تصديقه فيجب ألا نصدقه بكليتهأيضا،وفي هذه الحال نكون قد شجعنا الجريمة.طبعا هذا البرهان هو عبثي ولم يكن له إلا القليل من المناصرين. 

 

إن "الوحدة المنطقية" (((( الايمان بالكتاب المقدس كاملا  او رفضه كاملا )هي في نفس الوقت قوة وضعف. إنها قوة لأنها تضمن أن أي شخص يقبل مرحلة من البرهان عليه أن يقبل كل المراحل التالية؛ وإنها ضعيفة لأن أي شخص يرفض إحدى مراحل البرهان فإن عليه رفض جميع المراحل التالية أو على الأقل جزءا منها. وبالنسبة للكنيسة في صراعها معالعلم،فقد أظهرت في نفس الوقت القوة والضعف الناتجين عن التماسك المنطقي لمعتقداتها.ولكن الشكل الذي وصل فيه العلم إلى قناعاته يختلف كليا عن علم اللاهوت القروسطي.فالتجربة أظهرت أنه من الخطر الانطلاق من مبادئ عامة أو التصرف بواسطة الإسقاط أو الاستقراء،بداية لأن المبادئ يمكن أن تكون زائفة،ثم لأن البرهان يرتكز على مبادئ يمكن أن تكون خاطئة. 

 

فالعلم ينطلق،ليس من فرضيات عامة،بل من أفعال خاصة محددة،تكتشفمن خلال المراقبة أو التجربة.ومن خلال العديد من هذه الأفعال نصل إلى قاعدة عامة،وحتى الأفعال هنا إذا كانت حقيقية فإن الحالة تبقى خاصة. هذه القاعدة لم تثبت كليا،ولكن تم قبولها كبداية لفرضية العمل. وإذا تكررت الأفعال لمرت عديدة فإن هذا يساهم بتأكيد الفرضية،وإلا ترفض ويتم البحث عن غيرها. ومهما كان عدد الأفعال التي تثبت الفرضية فإن هذا لا يجعلهاأكيدة،علما أننا يمكن أن ندعوها "احتمال كبير"،وفي هذه الحالة ندعوها "نظرية"وليست "فرضية". 

 

وفي كتابه العلم والدين يشير رسل الى ان المعتقد الديني يدعي امتلاك الحقيقة الأبدية وهي ثابتة بالمطلق، بينما العلم يحتفظ دائما بطابع مؤقت: إنه يتوقع بتغييرات لنظرياته الحالية ويرىان هذه التغييرات ضرورية وهي قادمة عاجلا أم آجلا، كما أن العلم يأخذ بالحسبان أن منهجه غير قادر للوصول إلى توضيح كامل ونهائي. فالعلم إذا يطلب منا الابتعاد عن البحث عن الحقائق المطلقة. ومع ذلك، يوجد جانب في الحياة الدينية يقول عنه بأنه الأكثر قيمة،وهو الجانب المستقل عن الاكتشافاتالعلمية،ويستطيع أن يبقى حيّا مهما كانت قناعاتنا المستقبلية حول موضوع الطبيعة والكون. فالدين ارتبط في الماضي،ليس فقط بالمعتقدات و أماكن العبادة، بل بالحياة الشخصية لأولئك الذين يشعرون بأهميته. حيث نجد عند كبار القديسين و الصوفيين وفي نفس الوقت،إيمانا بالعديد من المعتقدات والروحانيات بغاية الحياة الإنسانية.وبما أن الدين ليس فقط مجموعة من المعتقدات بل يضمن "حالة روحية" مختلفة عن الإيمان بمعتقدثابت،فإن العلم لا يستطيع أن هذا . ربما انحطاط وتراجع المعتقدات يجعل من الصعوبة "وبشكل مؤقت" وجود هذه الحالة الروحية لأن هذه الأخيرة ارتبطت بشكل كبير بالمعتقدات اللاهوتية. لكن لا يوجد أي سبب يجعل من هذه الصعوبة أبدية،حيث هناك العديد من المفكرين الأحرار قدموا ومن خلال حياتهم تجربة تؤكد أنه ليس بالضرورة أن تكون الحياة الروحية مرتبطة بمعتقد أو دين. 

يرى Bertrand Russell أنه لا يوجد قيمة حقيقية يمكنها أن ترتبط بشكل جامد بمعتقدات من غير أساس، وإذا المعتقدات اللاهوتية كانت من غير أساس، فهي لن تستطيع أن تكون ضرورية حتى نحتفظ بها كحالة روحية دينية. 

لقد حاول Bertrand Russell من خلال كتابه "العلم والدين" توضيح الخلافات بين اللاهوتيين ورجال العلم قبل أربعة قرون وحتى تاريخ تأليفه للكتاب. ووصل إلى نتيجة بأن العلم وفي جميع المرات عندما دخل في خلاف مع الدين فإنه خرج منتصرا. لكن الخلاف يدخل اليوم في مرحلة جديدة ويعود هذا لسببين: الأول،أن "التقنيات العلمية" بدأت بالحصول على تأثيرات أكثر أهمية من صيغة "الروح العلمية".الثاني، أن أديانا جديدة هي في مرحلة أخذ مكان العقيدة المسيحية ولكنها تعيد نفس أخطاء المسيحية السابقة. 

 

أما صيغة أو نزعة "الروح العلمية" فهي حذرة ولا تدعي أنها تعرف كل الحقيقة ،أو أن معرفتها الأكثر تأكيدا وثباتا هي معرفة حقيقية. إنها تعلم أن كل نظرية يجب أن تصحح يوما ما،وأن هذا التصحيح يتطلب بحثا حرا ونقاشا حرا . بينما العلم النظري ساهم بالتأسيس "للتقنية العلمية" وهذا التقنية ليس لها طابع التردد والحذر كما في النظرية العلمية. فالفيزياء حققت ثورات كثيرة من خلال "النسبية" و "نظرية الكمية"،ولكن جميع المخترعات هي مؤسسة على الفيزياء القديمة والتي مازالت تخدم الفيزياء بشكل كبير. 

 

إن الحرب بين العلم والدين المسيحي تحديدا انتهت تقريبا ، ومعظم المسيحيين ينظرون بإعجاب لدينهم الذي استطاع الاستفادة من الثورة العلمية. فالمسيحية تخلصت كما يقول من إرثها القديم وتقريبا شفيت من رغبتها في الاضطهاد.ويبقى عند بعض المسيحيين مذهب لديه قيمته،وهوإعجابهم بتعاليم المسيح التي تقول بأنه علينا أن نحب أقرباءنا ،وفي الكنيسة هناك قناعة متنامية بأن المسيحيين يجب أن يعارضوا الحرب. أما التهديد تجاه الحرية الفكرية يأتي اليوم من قبل الحكومات وليس من الكنائس المسيحية.هذه الحكومات التي ورثت الطابع المقدس الذي عرفته الكهنوتية في الماضي. إن واجب العلماء (ليس المقصود علماء الدين) وكل من هو مرتبط بالمعرفة العلمية أن يعارض هذا الشكل الجديد للاضطهاد، بدلا من أن يعيش على أمجاد الخلاص من الاضطهاد القديم. 

 

أن أولئك الذين تهمهم الحرية الفكرية هم أقلية، ولكن من بينهم يظهر دائما الأشخاص الأكثر أهمية من أجل المستقبل. لقد رأينا هذا مع "كوبرنيكوس" ،" داروين"، " غاليلي" عبر التاريخ الإنساني،ويجب ألا نعتقد أن المستقبل لن ينتج أشخاصا من نفس المستوى. إن الحقيقية الجديدة هي أحيانا مزعجة خاصة بالنسبة لأولئك الذين يمتلكون السلطة (أية سلطة).

    ومن هذا المنطلق ساطرح سؤالي الأول .

 ماهي اسباب الحرب التي يشنها المتدينون ضد المعرفة العلمية ؟

لماذا يمثل الدين دائما ظاهرة اشد تعقيد من التدين؟

 هل العلة في الدين نفسه؟

ام في القائمين عليه؟

 ثم هل هناك نظام خلقي يحكم السلوك الفردي والمجتمعي؟

هل يمكن للنص الديني ان يتعايش مع العلم اذا تم تحييد رجال الدين والكهنوت والقساوسه ؟؟

وحسب رسل فان الاديان القديمة عجزت عن تقديم منظومة اخلاقية ,خاصة فيما يتعلق بسلوك الاشخاص , وان الرواقيون كانوا اول من قدم بعدا اخلاقيا للنص الديني,( ﻓﻘﺪ ﻋﺮف اﻟﺮواﻗﻴﻮن  اﻟﻔﻀﻴﻠﺔ ﺑﺄﻧﻬﺎ اﻟﻌﻘﻞ اﻟﺼﺮﻳﺢ   وﻳﻌﻨﻮنبه اﻟﻌﻘل اﻟﺸﺎﻣﻞ وﻫﻮ اﻟﻌﻘﻞ اﻟﺬي ﻳﻈﻞ داﺋﻤﺎً ﻣﺘﺴﻘﺎً ﻣﻊ ﻧﻔﺴﻪ ، وﻳﻨﺘﺞ ﻋﻦ اﻟﻌﻘﻞ اﻟﺼﺮﻳﺢﻫﺬا ﺣﻴﺎة ﻣﺘﺴﻘﺔ.

مع ﻧﻔﺴﻬﺎ ، واﻟﺮﺟﻞ اﻟﻔﺎﺿﻞ اﻟﺤﻜﻴﻢ اﻟﺬي ﻳﺴﻴﺮ ﺣﻴﺎﺗﻪ ﻛﻠﻬﺎ وﻓﻘﺎً ﻟﻠﻌﻘﻞ اﻟﺼﺮﻳﺢ اﻧﻤﺎ ﻳﺤﻴﺎوﻓﻘﺎً ﻟﻠﻄﺒﻴﻌﺔ العامة )وفي الديانة الاسلامية وبحسب رسل ,فعلى الدوام كانت الاهمية تتمركز حول الحاكم المدني لاحول النص الديني , او المسجد . المسجد الذي سماه رسل الكنيسة الاسلامية , فكان الحاكم المدني يوظف ويسخر المسجد لتمرير مشروعه السياسي او مشروعة الاستبداد

 



يسمح بنقل المادة أو جزء منها بشرط ذكر المصدر

أضف تعليق