نشر في: 03 أيلول/سبتمبر 2011
الزيارات:    
| طباعة |

الانتخابات الأميركية: أي دور للدين؟

wellyam_faff

قبل 15 شهراً على الانتخابات الرئاسية المقبلة، أثقل الحزب "الجمهوري" في الولايات المتحدة نفسه منذ الآن بعدد من المرشحين الرئاسيين الذين يحتلون مراتب متقدمة في السباق (حسب مكتب المتحدث باسم البيت الأبيض، الذي يعتبر نفسه المخول بإصدار أحكام بشأن من هو جاد أو غير جاد من بين المرشحين الرئاسيين)، والذين ينحدرون من خلفيات مسيحية إنجيلية أو مسيحية بروتستانتية أصولية، باستثناء مرشح واحد ينتمي إلى طائفة المورمون.

ويُعرف عن أبرز المرشحين في ولاية أيوا منذ الآن أنهم يضمون في صفوفهم شخصيات تدعوا إلى إلغاء الضريبة على الدخل (التي تشكل 80 في المئة من دخل الحكومة)، وإلغاء الاحتياطي الفيدرالي (البنك المركزي الأميركي)، والتنصيص دستورياً على ميزانية متوازنة، وإزالة أو تعليق القوانين والتنظيمات البيئية. غير أن التجربة تشير إلى أن لا أحد من هؤلاء يملك فرصاً كبيرة ليصبح المرشح "الجمهوري" الفعلي العام المقبل باستثناء المرشح المورموني "ميت رومني"؛ والحال أن "رومني" مازال يعاني من الخسائر السابقة التي مني بها.

ولعل المثير للاهتمام أكثر هو أنه بات يبدو اليوم أن من المؤهلات الضرورية بالنسبة للترشيح "الجمهوري"، في مرحلة الانتخابات التمهيدية الحالية على الأقل، أن يكون المرشح بروتستانتياً أصولياً "عاد إلى الدين من جديد" . والحال أن أغلبية الناخبين في الولايات المتحدة ليسوا إنجيليين أصوليين، ولا بروتستانتيين.

 

فمثل هؤلاء قد يشكلون الأغلبية بين النشطاء السياسيين "الجمهوريين" الذين يحضرون ويشاركون في التجمعات الحزبية أو الانتخابات التمهيدية، ولكن الأكيد أنهم لا يشكلون أغلبية أولئك الأميركيين الذين سيذهبون لانتخاب رئيس الولايات المتحدة العام المقبل. ذلك أن الأغلبية انتخبت قبل أربعة أعوام لمنصب الرئاسة، في 2008، ناشطاً ليبراليًا حضريًا أسود من خلفية مختلطة، وخريج جامعات "النخبة الليبرالية" ورئيس تحرير سابق لدورية "لو ريفيو" التي تصدر عن جامعة هارفارد.

الرجل الذي صوتوا عليه في 2008 كان أيضاً عضواً في كنيسة للسود كان قسها يركز في عظاته الدينية على القضايا والمشاكل الاجتماعية. وقد صوت الناخبون الأميركيون في 2008 على شخصية أبعد ما تكون عن الانتماء إلى كتلة الناخبين التمهيديين البروتستانتيين، الإنجيليين والرجعيين سياسياً، والمؤمنين بعصمة الكتاب المقدس، والمناوئين للتطور، والمناوئين للإجهاض، والمناوئين للحركات المدافعة عن حقوق المرأة، والمناوئين لزواج المثليين، والمناوئين لـ"الاشتراكيين"، التي يبدو حالياً أنها تلتف حول "ميشيل باكمان" و"ريك بيري".

ويعاني النقاش العام حول الحملة حالياً من حقيقة أن قلة قليلة من الصحافيين و"مثقفي الجمهور" الأكاديميين يبدون قادرين على التمييز بين المسيحيين؛ ذلك أنه في أعين جزء كبير من الصحافة والأشخاص الذين يعرِّفون أنفسهم باعتبارهم تقدميين سياسيين، يبدو أن "البروتستانت" الذين هيمنوا على الولايات المتحدة منذ تأسيسها حتى عهد قريب (الأسقفيين، المشيخيين، اللوثريين، الميتوديين) قد اختفوا وتحولوا إلى كنائس أصولية ضخمة وحلقات الوعظ الديني الإنجيلي عبر التلفزيون.

أما أكبر وأسرع كنيسة مسيحية نموا في الولايات المتحدة، الكنيسة الكاثوليكية (التي تشير التقديرات إلى أن عدد المنتمين إليها يناهز 77 مليون شخص)، عادة ما تدرج ضمن مجموعة واحدة إلى جانب الأصولية البروتستانتية لأن الأساقفة أعلنوا موقفهم المناهض للإجهاض وزواج المثليين. غير أن الكاثوليك يصوتون تقليديا لـ"الديمقراطيين"، وتاريخ الكنيسة الكاثوليكية في أميركا هو تاريخ دعم للحركات المطالبة بالعدالة الاجتماعية ونقابات العمال. صحيح أن صعود من كانوا في معظمهم قبل نحو 75 عاماً من مرتادي الكنائس وبناة المدارس المنتمين إلى الطبقة العاملة، إلى الطبقتين الوسطى والعليا في أميركا قد أضعف هذا التقليد الاجتماعي، ولكن الأكيد أنه لم يحوِّل الكاثوليك إلى أصوليين يصدقون بسرعة. بل العكس هو الصحيح.

ومما زاد من تشويه وتحريف فهم المشهد الديني الأميركي (والبريطاني) هو ما يسمى الحركة الإلحادية الجديدة لسام هاريس، وريتشارد دوكينز، وكريستوفر هيتشنز، وآخرين، الملتزمة تجاه ما يمكن أن نسميه الأصولية العلمية (أي أن العلم هو المصدر الوحيد للحقيقة حول مواضيع الوجود الإنساني). غير أن لا أحد منهم أظهر معرفة كبيرة بتاريخ الدين، ولا بالفلسفة أو علم اللاهوت، ولا حتى الأدب الغربي. ويمكن القول إنهم ليكتبوا كما لو كانوا محامين يهاجمون "ويليام جينينجز بريان المسكين في محاكمة سوكبس في ولاية تينيسي عام 1925 المعروفة بـ"محاكمة القرد" (محاكمة شهيرة في 1925 بعد أن انتهك جون توماس سكوبس قانونا لولاية تينيسي عبر تعليم تلاميذ مدرسة ثانوية نظرية التطور والارتقاء؛ حيث توبع سكوبس قضائيا من قبل ويليام جينينجز بريان وتولى الدفاع عنه كلارنس دارو؛ وقد أدين سكوبس ولكن الحكم ألغي في ما بعد).

قد يكون تاريخ "ميشيل باكمان" و"سارة بالين" مقلوباً رأساً على عقب، وربما يعتقد حاكم ولاية تكساس "ريك بيري" أن الاحتياطي الفيدرالي ينطوي على خيانة ممكنة، في حين يتسامح المرشح السابق "مايك هاكبي" مع "الأشخاص الذين يرغبون في الاعتقاد بأنهم ينحدرون من الحيوانات الرئيسة (القرود)". ولكن على الأشخاص الذين يعتبرون أنفسهم رؤساء المرشحين أن يُظهروا أنهم يدركون أنهم في 2011، وليس 1925





يسمح بنقل المادة أو جزء منها بشرط ذكر المصدر

أضف تعليق