نشر في: 04 كانون2/يناير 2018
الزيارات:    
| طباعة |

السخرية السياسية

 

 

السخرية السياسية
 
كان يوليوس قيصر -وهو أشهر ديكتاتور مر على روما- يمقت النكتة السياسية التي يطلقها خصمه (سيسرو) وهو الخطيب المشهور آنذاك في أنحاء روما، وكان يوليوس قيصر يبعث جواسيسه في أرجاء المدينة ليسجلوا له تلك النكت وكان يعلم أن معاقبة الخطيب الساخر أو التخلص منه سيجعل نكته أكثر قوة وتأثير واستمرار.
النكتة هي من أنواع الحراك المجتمعي اللاعنيف وتستخدم في البلدان ذات الأنظمة القمعية وكذلك الأنظمة الديموقراطية ولكن كثيراً ما تزدهر النكتة السياسية في المجتمعات التي تغيب فيها الحريات، لأن النكتة ببساطة تجنب المواطنين الاصطدام المباشر بالسلطة وهي أداة للتعبير عن الرأي الذي لا يستطيع المواطن البسيط الافصاح عنه بشكل مباشر.
وفي عصر الاتصال السريع والتكنولوجيا أصبحت صياغة النكتة أكثر احترافاً كما اختلفت أدواتها بشكل كبير، فأصبح تركيب مقطع أو إضافة تعليق على صورة معينة كفيل بإيصال الفكرة والمغزى من النكتة، فبالإضافة إلى قدرة هذه المقاطع والصور على التأثير وإيصال فكرة الانتقاد والغضب من السلطة هي قادرة أيضاً على الانتشار السريع وتوثيق ما يدور في الساحة واختزاله في مساحة صغيرة.
السخرية من الواقع هي السلاح الوحيد الذي تعتمد عليه المجتمعات المحتقنة والواقعة تحت القمع والقهر ويزداد رواجها كلما زاد ضغط السلطة وزاد قمعها فعندما يلجأ الشعب للسخرية فإنه يجد فيها المتنفس الوحيد الذي يمكنه من خلاله البوح بهمومه ومشاكله بعيداً عن سلطة الرقيب.
أرى أن السخرية عن طريق أطلاق النكت أو بإسلوبها الجديد من خلال وسائل التواصل الاجتماعي قد استطاعت أن تحطم الممارسات والسلوكيات الخاطئة التي ترتكبها بعض الحكومات، حيث بدت أكثر تأثيراً في نفوس الناس وكذلك أسرع انتشاراً ولكن الخطر الذي تجهله تلك الحكومات أنه من الممكن أن تتحول هذه السخرية والنكت وتتجاوز النقد إلى الفعل الثوري باستخدام اساليب أخرى قد تصل إلى العنف والتطرف إذا ما التفتت تلك الأنظمة إلى شعوبها ولامست احتياجاتهم وطموحاتهم.


يسمح بنقل المادة أو جزء منها بشرط ذكر المصدر

أضف تعليق