نشر في: 15 تشرين2/نوفمبر 2017
الزيارات:    
| طباعة |

أمريكا لم تعارض «مذبحة ليلة السبت» في الرياض رغم شكها في البرنامج الإصلاحي

 

طرح صناع السياسة الخارجية في الولايات المتحدة أسئلة مركزية بشأن حملة الاعتقالات الواسعة التي طالت أمراء ووزراء سابقين ورجال أعمال وشخصيات سعودية معروفة من مختلف المستويات السياسية والاقتصادية والدينية، من أهمها مدى جدية الرياض في تحديث المملكة وكسر الدعم للشكل الديني المتطرف؟
الأسئلة الأمريكية حول جدية اتهامات الفساد جاءت من شكوك تبدأ من اللجنة العليا لمكافحة الفساد، وهي الهيئة التي تتولى حاليا الاشراف على عمليات الاعتقال وتوجيه الاتهامات وجمع الأدلة. فاللجنة، وفقا للعديد من المراقبين الأمريكيين، دخلت حيز الوجود قبل ساعات قليلة جدا من الموجة الأولى الصاخبة للاعتقالات في ليلة السبت المعروفة، وليس من المستغرب ان يتمتع رئيس اللجنة بصلاحيات واسعة للتحقيق في القضايا وسجن المشتبه فيهم وتجميد الاصول والاستيلاء على الممتلكات، كل ذلك خارج القانون العادي والقنوات القضائية ودون العودة للوائح وقواعد صريحة ناهيك عن عدم وضوح في حقوق المتهمين وقدرتهم على المطالبة باتخاذ إجراءات للطعن في الاتهامات أو استئناف الأحكام الموجهة ضدهم.
الشكوك الأمريكية تنبع من استنتاج قديم، هو ان العديد من الحكومات تستخدم اتهامات الفساد كفرصة للقضاء على المعارضين، بمن فيهم اولئك الذين جاء الاعتقاد بمعارضتهم من وحي الخيال دون أدلة ملموسة، وهي استراتيجية استخدمها، على سبيل المثال، الرئيس الصيني شي جين بينغ.
لم يقترب زعماء السعودية من ممارسة هذه الدرجة من السلطة المطلقة منذ وفاة مؤسس المملكة ابن سعود في عام 1953 فقد كان النظام يسير على طريقة التراضي مع اهتمام كبير بالسن والخبرة، ولكن السلطة بين الأجنحة المتناحرة في العائلة المالكة تحولت إلى شظايا متناثرة في حين يصر مؤيدو ولي العهد على ان هناك ضرورة لتنفيذ جميع أنواع الإصلاحات الشاملة التي تتطلبها المملكة وان هناك حاجة إلى استخدام المطرقة وليس المشرط لكسر شبكة الأمراء ورجال الدين المحافظين الذين يعارضون التغيير اللازم.
الاتجاه السائد لدى صناع القرار في الولايات المتحدة هو الاستعداد لتقبل التحركات السعودية الأخيرة بدون سبب واضح، وقد وضعت شركة «ام بي سي» أجندة طموحة للإصلاحات معروفة باسم «رؤية 2030» من شأنها ان تجلب التنوع والدينامية للاقتصاد السعودي الراكد، وهناك استعداد أمريكي للتغاضي عن التجاوزات الحالية بسبب رغبة غير خجولة في واشنطن بالقبض على الدعاة الراديكاليين في السعودية ناهيك عن الترويج لفكرة ضرورة الانتقال إلى الإسلام المعتدل الذي يعني وفقا للمفاهيم الأمريكية تحرير المجتمع الســـعودي وتشــجيع السياحة والترفيه وتمكين المرأة.
وبالنسبة للخبراء، بمن فيهم جون هانا من مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات ومستشار ديك تشيني، نائب الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش، ليس هناك أدنى شك في ان البرنامج المذكور لتحويل المجتمع السعودي سيخدم المصالح الأمريكية وان ذلك يعني تحويل المملكة من اعتبارها جزءا من المشكلة إلى جزء أساسي في الحل. كما ان هناك قناعة في الوسط السياسي الأمريكي ان تغيير مفاهيم المجتمع السعودي سيعتبر أهم ضربة ايديولوجية في الحرب ضد الإرهاب.
ويدرك صناع السياسة في الولايات المتحدة ان هناك مخاطر كبيرة جدا للسياسة السعودية الجديدة بسبب مركزيتها وقسوتها، لا سيما في مجتمع لم يعتد على انغماس المؤسسة الحاكمة في سيادة القانون واتخاذ الإجراءات القضائية أو التعامل مع قضايا حقوق الأفراد، وهناك خشية من التهور وخلق الكثير من الخصوم الأعداء، وفي حالة انهيار البرنامج الإصلاحي فان النتيجة لن تكون أبدا في صالح أمن الولايات المتحدة في الشرق الأوسط. 
الأسئلة التي طرحها الخبراء والشكوك التي أثارها العديد من المشرعين والمحللين في الولايات المتحدة لم تمنع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من إعلان تأييد مطلق لإجراءات ولي العهد السعودي التي حاولت تعزيز الأسرة المالكة وزيادة مواجهة المملكة مع إيران ضمن رغبة تهدف إلى القضاء على النفوذ الإيراني في المنطقة ووقف حروب الوكالة التي تديرها عن طريق الجماعات الشيعية في العراق وسوريا واليمن والبحرين، وهي جهود تتفق تماما مع تحركات مماثلة لإدارة ترامب، من بينها الإعلان ان إيران لا تمتثل لالتزاماتها بموجب الاتفاق النووي كما ألقى ترامب خطابا قاسيا عرض خلاله نشاطات إيران المزعزعة للاستقرار في الشرق الأوسط.
وأشاد ترامب على تويتر بولي العهد السعودي ووالده الملك سلمان وقال انهما يعرفان بالضبط ما يفعلان. 
وأصدرت متحدثة باسم وزارة الخارجية الأمريكية رسالة مؤيدة لدعم أعمال ولي العهد وقالت «أننا نواصل تشجيع السلطات السعودية على ملاحقة الأشخاص الذين من المعتقد انهم (فاسدون) ولكننا نتوقع من السلطات ان تفعل ذلك بطريقة شفافة وعادلة». وأيدت سفيرة ترامب في الأمم المتحدة، نيكي هالي، أقوال السعودية ان الصاروخ الذي أطلق من اليمن من أصل إيراني، وفي أواخر الشهر الماضي، التقى الأمير محمد بصهر ترامب ومستشاره البارز غاريد كوشنر مع تسريبات تتحدث عن جهود خادعة للتوصل إلى اتفاق بين الإسرائيليين والفلسطينيين وكبح تصرفات إيران وحزب الله ضد إسرائيل.
وبالنسبة لترامب، الإجراءات السعودية الأخيرة تتفق تماما مع سياسته ورغبته وطموحاته في المنطقة فهو يريد من السعوديين أخذ الأمور بأيديهم ضد إيران وحزب الله بدون ان تضطر الإدارة الأمريكية لفعل أي شيء، وهذا بالضبط ما تريده إسرائيل التي تشجع خفية محاولة صريحة لتوريط السعودية في حرب مدمرة لن تتوقف لعقود مع إيران وحزب الله.
القيادة السعودية التي تملك علاقة حميمية مع ترامب تراهن، أيضا، على فريق ترامب عديم الخبرة لمعالجة مشاكل الشرق الأوسط وخلق اتفاق سلام، وهي رهانات خاسرة وفقا لقول ستيفن كوك، الخبير في شؤون الشرق الأوسط لدى مجلس العلاقات الخارجية.
الاستنتاجات التي خرج بها الإعلام الأمريكي من قراءة الموقف الأمريكي من الإجراءات السعودية الأخيرة تركز على نقطة واحدة هي ان الولايات المتحدة تدفع السعودية نحو مسار يتجه إلى حرب إقليمية واسعة مع إيران وان الأخبار المتداولة عن اعتقال المزيد من الأمراء والوزراء السابقين ورجال الأعمال وغيرهم تحت عنوان مكافحة الفساد ما هي إلا موجة أولى من الأخبار المقبلة من الرياض التي زادت من حدة لغتها في الأيام القليلة الماضية، ووفقا للعديد من المحللين الأمريكيين، فان الخطوات السعودية منذ فوز ترامب في انتخابات الرئاسة، تسير نحو تطهير أي عقبات داخلية محتملة نحو دفع أكثر ضد إيران، وقد وصلت استنتاجات الكثير من المحللين إلى حد القول ان الصراع المباشر بين السعودية وإيران أصبح أمرا لا مفر منه بدلا من حرب الوكالة في اليمن وان إسرائيل هي المستفيدة الأولى من الفوضى المقبلة لأنها وجدت أخيرا طرفا آخر سينفذ رغبتها في قتال إيران.



يسمح بنقل المادة أو جزء منها بشرط ذكر المصدر

أضف تعليق